منهجية النقد الاجتماعي والبنيوي – الثانية بكالوريا آداب وعلوم إنسانية

مـدخل:
المنهج الاجتماعي:

المنهج الاجتماعي هو منهج نقدي يدرس النصوص من منظور مدى تعبيرها عن الوسط الاجتماعي الذي أنتجها، وبذلك يتعامل مع الظاهرة الأدبية في صلتها بشروط إنتاجها الاجتماعي وليس بوصفها ظاهرة مستقلة. لذا فعلم اجتماع الأدب يدرس العمل الأدبي باعتباره نتاجا لفعل مجتمعي، ينتجه فاعل اجتماعي هو الأديب، ويتوجه به إلى جماعة ما في سياقات اجتماعية ما، أي أنه يبحث أساسا عن العلاقات التي تربط الإبداع الأدبي بالشروط الاجتماعية المؤطرة له عبر تتبع الخلفيات الاجتماعية المتحكمة في إنتاجه واستهلاكه. وعليه، فالمنهج الاجتماعي يرى أن الأديب لا يعيش معزولا عن بيئته ووسطه الاجتماعي، وأن الإنتاج الأدبي ليس منفصلا عن السياق الاجتماعي الذي يظهر فيه، إذ يعكس العلاقات الاجتماعية للمجتمع ويتبنى موقفا منها.

المنهج البنيوي:

المنهج البنيوي هو منهج نقدي ظهر مع بداية القرن الـ20 في مجال الدراسات اللغوية مع رائده “فيرديناند دوسوسير”. وهو منهج يتخذ اللغة موضوعا لاشتغاله حيث يدرسها في ذاتها ولذاتها، أي كبنية مغلقة من دون اعتبارات خارجية كظروف نشأتها وعلاقتها بالظواهر الاجتماعية والتاريخية. وكان النقد الأدبي أول من تأثر بهذا المنهج واستفاد منه بحكم التقدم الذي أفرزته البنيوية في مجال الدراسات اللغوية التي تلتقي مع الدراسات الأدبية في موضوع اللغة، إذ ركز البنيويون في بحثهم في مجال الأدب على الأنظمة اللغوية ومدلولاتها الأدبية، حيث سعوا إلى تحليل المكونات الداخلية للنص الأدبي تحليلا لغويا، ودراسة العلاقة بين الوحدات والبنى الصغرى داخل النص لتحديد البناء الكلي الذي يجعل موضوع الدراسة أدبا، وذلك عبر عدة مستويات تهتم بالأصوات، الكلمات، الدلالات والتراكيب.

الملاحظة والفهم:

ملاحظة النص: يحيلنا عنوان النص وبعض المشيرات اللفظية […] على طبيعة النص النقدية وأن موضوعه سوف يستوقفنا عند سمات المنهج الاجتماعي/البنيوي، فإلى أي حد يمثل النص خصائص ومقومات هذا المنهج؟.

فهم النص: النص الذي بين أيدينا عبارة عن مقالة نقدية يتناول فيها الناقد قضية… (مضمون النص). وقد تناول الكاتب في هذا النص مجموعة من المضامين الفرعية [تقسيم المضامين على حدة…].

التحليل:

تحليل النص: يسعى الكاتب من خلال نصه “عنوان النص” أن يجيب عن الإشكالية التي فرضت نفسها في مرحلة … (إشكالية النص العامة) لمقاربة الظاهرة الأدبية. إذ يبين أن المنهج الاجتماعي/البنيوي قادر على أن يفسر الظاهرة الأدبية بدليل [إشكالية النص، مثلا: مسار القصيدة العربية عبر العصور].

المفاهيم النقدية: من مظاهر المنهج الاجتماعي/البنيوي تواتر معجم يضم مجموعة من المفاهيم النقدية الاجتماعية/البنيوية، ويتوزع معجم النص النقدي إلى مجموعة من الحقول الدلالية [الحقل الاجتماعي: الجماعة، المجتمع / الحقل البنيوي: البنية، اللغة، المعجم، الصوت، الإيقاع، التفعيلة، مكونات القصيدة / الحقل الأدبي: الشاعر العربي، للسان العربي، الشعر / الحقل التاريخي: الحقب التاريخية]. وعند ملاحظتنا للنص نسجل حضورا متوازنا ومتساويا بين الحقول الدلالية مما يؤكد بالملموس العلاقة الوطيدة بين المنظور الاجتماعي/البنيوي والنص الأدبي. وقد لعبت هذه المفاهيم النقدية دورا هاما في إغناء الطابع الاجتماعي/البنيوي والحجاجي للنص، كما تمثل مؤشرات دالة على توظيف الناقد للمنهج الاجتماعي/البنيوي.

لغة النص: تتميز لغة المقالة بالنقد الحاد وهي لغة تقريرية واضحة وسهلة تحمل طابعا حجاجيا إقناعيا، نذكر من ذلك […].

الإطار المرجعي: وردت في النص مرجعيات متعددة أهمها الماركسية، اجتماعية، أدبية نفسية، بنيوية، تاريخية، فلسفية… مثلا: المرجعية الماركسية تعرف من خلال الحديث عن البنية الذهنية والفكرية / والبنيوية عندما يتناول الكاتب مكونات القصيدة العربية مثال العمود الشعري والعرض والتفعيلة/ …

أسلوب وطريقة عرض النص: اعتمد الناقد في نقل الأفكار أسلوب [الاستنباط (من العام إلى الخاص) أو الاستقراء (من الخاص إلى العام)]، ثم توظيف لغة تقريرية ذات الطابع الحجاجي: التعريف / العرض / الشرح والتفسير / المقارنة / الإقناع / …

الاتساق: هو التماسك الحاصل بين المفردات والجمل المشكلة للنص. وبالعودة إلى جمل النص نجدها تخضع لعملية بناء منظمة ومترابطة تركيبيا ودلاليا ومعجميا. وقد تحقق هذا الاتساق بواسطة مجموعة من الأدوات النحوية والدلالية والمعجمية. فهناك:

– الاتساق التركيبي: تحقق عبر الوسائل اللغوية كالوصل بين الجمل إما بالعطف [و / أو / فـ /ثم]، بالموصولية [الذي / التي / الذين]، بالتعليل [لأن / لذا]، التفسير [أي / يعني] أو الاستدراك [بل / لكن]، الشرط [إذا كان.. فإن]، التوكيد [إن / لقد]، النفي [ليس].

– الاتساق الدلالي: تحقق عبر الإحالة، حيث وظف الناقد الضمائر [الهاء / هو / هم] وهي تحيل على ما سبق أي إحالة قبلية، وأسماء الإشارة [هذا / هذه / هنا] وهذه الأسماء منها ما أحال على ما سبق [مثلا: وفي عملية التفسير هذه]، ومنها ما أحال على لاحق [مثلا: يوجه أنصار هذا الاتجاه] أي إحالة بعدية. كما تحيل الضمائر وأسماء الإشارة على عنصر موجود داخل النص [عملية التفسير هذه] أي إحالة نصية مقالية، وقد تحيل على عنصر خارج النص [يوجه أنصار هذا الاتجاه] أي إحالة مقامية.

– الاتساق المعجمي: تحقق عبر التكرار والتضام، حيث تكررت مجموعة من الكلمات بعينها [الصعود / الصعود] أو بمرادفاتها [الصعود / التسلق] أو بعنى عام [الصعود / العمل] أو بمعنى أعم وأشمل [الصعود / الشيء] . كما نجد التضام تحقق عبر توارد زوج من الكلمات يرتبط بعلاقات معجمية كالطباق [الولد ≠ البنت]، الجزئية [أصبع / يد]، الكلية [بستان / زهرة]، الترتيب العددي [واحد / اثنان] ثم الترتيب الإداري [المدير / الناظر].

الانسجام: هو مجموع الآليات والعمليات الظاهرة والخفية التي تجعل قارئ خطاب ما قادرا على فهمه وتأويله. وبالعودة إلى النص نجده ينسجم وتترابط فقراته مفهوميا ومنطقيا بالعنوان والقضية الأدبية النقدية، فليست هناك مواضيع متنافرة في النص وإنما جميع الأفكار مرتبطة بالقضية المركزية. وقد تحقق الانسجام عبر عدة مستويات، على رأسها:

– مبدأ السياق: فعند قراءتنا للنص عرفنا أنه نص نثري نقدي ويركز على قضية نقدية محددة وهي […] و هذا ما قربنا من النص وجعلنا ننسجم معه.
– مبدأ التأويل المحلي: ويتجلى من خلال قدرتنا على تأويل ما جاء في النص من مفردات تجمع بينها علاقات جعلتها منسجمة مع بعضها ومع القارئ.
– مبدأ التشابه: تم عبر تشابه النص مع نصوص نقدية أخرى تهتم بالجانب الاجتماعي أو البنيوي.
– مبدأ التغريض: حيث نجد النص يتمحور حول تيمة مركزية تتكرر عبر النص وهي […] التي تصب فيها كل القضايا الجزئية المطروحة.

وقد ساهمت في تحقيق هذه المبادئ عمليات أساسية ساهمت بدورها في تحقيق الانسجام، هي:

– الخلفية المعرفية: تمكننا من ربط معارفنا السابقة والقبلية بمعارف النص ثم تنظيم أفكاره من العام إلى الخاص أو العكس حسب الأهمية، فالنص دراسة أدبية نقدية تهتم بـ […].
– الخلفية التنظيمية: تكمن في استحضارنا لتمثلات حول النص مرتبة بانتظام كتحديد مجال النص وجنسه ونمطه وطرائق استدلاله وخلفيته النظرية، مما يساعدنا على فهم النص والانسجام مع معطياته.

الحجاج: هو نشاط إقناعي واستدلالي على شكل خطاب، يوظف تقنيات لغوية وتنظيمية تسعى للتأثير في المتلقي. ولتدعيم هذا النص، وظف الناقد مجموعة من الأساليب والإجراءات في عملية الإقناع منها:

– مشيرات التلفظ: وتمثلها العناصر النحوية والمعجمية التي تستجيب لخصوصيات العملية الحجاجية، منها [الضمائر / حروف الشرط / التوكيد / النفي / التفسير / الاستدراك / المجاز / التشبيه / الاستعارة / الطباق والمقابلة / أساليب الإنشاء: الأمر، النهي، الاستفهام والتعجب].
– مشيرات التنظيم: تتعلق بمستوى الخطاب والمهارات الاستدلالية المنطقية، تمثلها [الروابط المنطقية بين أجزاء الكلام، طرق التعليل وترتيب الحجج وإيراد الشواهد والأدلة وبناء المقدمات واستخلاص النتائج…].

وهذه الأساليب كلها تسعى إلى إقناع المتلقي بقدرة المنهج الاجتماعي/البنيوي على تفسير الظاهرة الأدبية.

التركيب:

بعد كل هذه الأشواط من التحليل، نجد أن هذه المقالة النقدية الأدبية تحمل طابعا نقديا، حيث وظف فيها الناقد المنهج (الاجتماعي / البنيوي) واتبع أسلوب {الاستقراء / الاستنباط}، إضافة إلى تعزيز المقالة بالأساليب والآليات الحجاجية المتنوعة والسالفة الذكر، ثم اتساقها وانسجام أفكارها، وذلك ما منحها طابع الجمالية. وعليه، يمكن القول أن هذه المقالة مثلت الاتجاه النقدي خير تمثيل، منضافة بذلك إلى إبداعات وكتابات الناقد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.