التمييز بين الطبيعة والثقافة: مفهوما الطبيعة والثقافة – جذع مشترك

المحور الأول: التمييز بين الطبيعة والثقافة:

موضوع: مفهوما الطبيعة والثقافة:

نص رالف ل هويجر بيلز:

مفهوما الطبيعة والثقافة:

نشأ مصطلح الثقافة عن الحاجة إلى وجود مصطلح ملائم لوصف الجوانب المشتركة لبعض أنواع السلوك التي بلغت مراتب عليا من التطور عند الإنسان، وإن تكن موجودة بدرجة أو بأخرى عند بعض الأنواع الأخرى، فعلى حين تتميز غالبية الحيوانات – بما فيها القردة العليا – بأن النوع الواحد منها يتبع أساسا نفس أنماط السلوك، فإن الإنسان يختلف عن ذلك، بل نجد على العكس من ذلك أن نوع “الإنسان العاقل” يتميز بتنوع ملحوظ فعلا في أنماط السلوك على الرغم من أن أفراده يتشابهون فزيولوجيا إلى حد بعيد، ويتمتعون بأبنية جسمية متشابهة في جوهرها وبنفس الميكانزمات النفسية …

ولعلنا نستطيع أن ندلل على تنوع السلوك الإنساني في كل نشاط تقريبا من ألوان النشاط التي يؤديها الإنسان، فعادات الطعام – على سبيل المثال – تتباين بشكل لا نهائي، فنجد جماعات “الإسكيمو” التي تعيش في القارة القطبية تكاد تقتصر في غدائها على اللحوم والأسماك وحدها، على خلاف كثير من الشعوب الهندية المكسيكية، التي يقوم غذائها في معظمه على الحبوب والخضراوات. وكذلك نجد الحليب ومشتقاته تعتبر غذاء فاخرا عند شعب “الباجاندا” في شرق إفريقيا، في الوقت الذي تضعها فيه شعوب غرب إفريقيا فيلا مرتبة أدنى من ذلك …

إن قائمة الفروق في السلوك الإنساني قائمة طويلة … فما هي الأسباب التي ترجع إليها تلك الفروق إذن؟ ولماذا يتباين الناس بهذا الشكل في سلوكهم، رغم انتمائهم جميعا إلى نوع واحد؟

لعلنا نستطيع أن نجد إجابة جزئية على هذه الأسئلة، في الحقيقة التي مؤداها أن الإنسان يتعلم قدرا من سلوكه يفوق بكثير القدر الذي يتعلمه أي حيوان آخر. فالإنسان عند مولده ما يزال بعد – أغلب الثدييات الأخرى- في مرحلة جنينية.

ويعني هذا أن بعض مظاهر النمو المرفولوجي والفزيولوجي التي تحدث عند الحيوانات الأخرى قبل الميلاد تحدث عند الإنسان، أو تظل مستمرة خلال الشهور الأولى بعد ولادته فالرضيع العاجز يأتي إلى هذه الدنيا غير مزود بأي أساليب مطورة تتميز بأنها متطورة فعلا، ولكنه يستطيع أن يطور لنفسه خلال مرحلة ما بعد الولادة، قدرة فائقة على مرونة الاستجابة للظروف المحيطة به ويتحتم عليه أن يتعلم إلى حد كبير كيف يأكل، وكيف يتكلم، ويمشي.

ويتم إلى جانب من هذا التعلم من خلال الخبرة الشخصية أو الخاصة، ولكن الجانب الكبير من هذا التعلم يتم عن طريق تقليد للآخرين الموجودين في بيئته، أو من خلال عمليات التلقين … فمفهوم الثقافة يدل إذن، على أساليب السلوك التي تتصف بأنها تكتسب عن طريق التعلم.

(ر. ل. بيلز. و. ه. هويجز، مقدمة في الأنثربولوجيا العامة، ترجمة محمود الجوهري ومحمود الحسيني، نهضة مصر للطباعة والنشر. القاهرة ط. 1990 ص .135 – 136)

تمهيد:

إذا كانت الفلسفة من بين ما قد اشتهرت به كونها تفكير تساؤلي، فإن هذا يقتضي منا ممارسة هذه المهمة، أي مهمة المساءلة، وما دام موضوعنا يدور حول مفهومين هما: مفهوم الطبيعة – مفهوم الثقافة، فإن المطلوب هو وضع هذين المفهومين موضع تساؤل.

  • فما هي الطبيعة؟
  • وما هي الثقافة؟
  • وقبل هذا ما هي تمثلاتنا حول هذين المفهومين ؟
  • ما هي الدلالات والمعاني التي يحملها هذان المفهومان؟
  • هل باستطاعتنا التمييز بين الطبيعة والثقافة؟
  • إذا كان الإنسان مرتبطا بالطبيعة من خلال نشاطه فيها، فأية علاقة بينهما؟
  • ما معنى أن يكون الإنسان كائنا ثقافيا؟
  • ما هي مظاهر وتجليات الثقافة؟
  • هل هناك ثقافة واحدة أو ثقافات متعددة؟
  • هل يمكن تفضيل ثقافة على أخرى؟
  • أية علاقة ينبغي أن تقوم بين الثقافات؟

أ – مفهوم الطبيعة:

الطبيعة هي مجموعة الخصائص التي تحدد كائنا أو شيئا ملموسا أو مجردا، هي كل ما يوجد على الأرض، خارج الإنسان، وهي أيضا ما هو فطري في الإنسان يمتلكه منذ ولادته، وما هو خالص غير صناعي أو مصطنه.

ب – مفهوم الثقافة:

الثقافة هي مجموعة من المعارف وأنماط العيش والتقاليد الاجتماعية – الثقافة هي تنمية بعض ملكات العقل بتمرينات دهنية، تدل أيضا على معارف مكتسبة علمية أو فلسفية أو عامة، وهي كذلك مجموع المظاهر الفكرية لحضارة معينة وللحياة في مجتمع، وهي تقابل الطبيعة – الثقافة هي كل مركب يشتمل على المعرفة والمعتقدات، والفنون، والأخلاق، والقانون، والعرف، وغير ذلك من المقدورات والعادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في مجتمع. >>

تحليل نص بيلز:

التعريف بصاحب النص:

رالف ل هويجر بيلز: أنثربولوجي معاصر إهتم بدراسة السلوكات الإنسانية والأشكال الثقافية بين المجتمعات والأسباب التي تؤدي على هذا التنوع في السلوكات بين الشعوب على الرغم من أن النوع البشري هو نوع واحد، له كتاب بإسم “مقدمة في الأنثربولوجيا العامة”.

المستوى الإشكالي:

يطرح هذا النص إشكالا يتعلق بمفهوم الثقافة، ويمكن أن نصوغ مجموعة من التساؤلات التي تبرز هذا الإشكال و هي:

  • ما هو الهدف من إنشاء مصطلح الثقافة؟
  • إذا كانت السلوكات الإنسانية متباينة ومتنوعة فما هو سبب هذا التباين والتنوع؟
  • إذا كان الناس جميعا ينتمون إلى نوع واحد هو النوع الحيواني، فما هو السبب في اختلاف سلوكاتهم؟

المستوى المفاهيمي:

أ – الثقافة: هي مجموع العادات والتقاليد الاجتماعية، والآثار الفكرية، والأساليب الفنية والأدبية، والطرق العلمية والتقنية وأنماط التفكير، والإحساس، والقيم الذائعة في المجتمع، أو هي طريقة حياة الناس وكل ما يملكونه ويتداولونه اجتماعيا لا بيولوجيا.

ب – الفيزيولوجيا: (الوظافة) دراسة وظائف الأجسام الحية، في مقابل درس صورتها وبنيتها، وهما موضوع علم التشكل وعلم التشريح، وقد تقال الوظافة أحيانا على دراسة الوظائف العقلية، بيد أن هذا يرمي عموما إلى تبيان أن هذه الوظائف يمكنها أن تفضي إلى وظائف الجهاز العصبي.

ج – الميكانيزمات النفسية: تعني الميكانيزمات مجموعة العناصر التي تكون مترابطة مع بعضها البعض ترابطا ميكانيكيا، وهي تدل في هذا الباب مختلف ردود الأفعال التي تطرأ على الإنسان في وضعية معينة.

د – مورفولوجيا: هي دراسة النماذج المميزة للأجناس الحيوانية والنباتية، وقد تدل أيضا على علم تشكل الأعضاء وتكونها.

المستوى التحليلي:

أطروحة صاحب النص:

ظهر مفهوم الثقافة للدلالة على السلوك الإنساني الذي يتسم بالتنوع بين الجماعات البشرية.

أفكار النص:

  • ما يميز السلوك الإنساني عن السلوك الحيواني هو أن الأول يتميز بالتنوع على الرغم من أن جميع الناس ينتمون إلى النوع الواحد، في حين أن الحيوان يكرر نفس العمليات، ولذا ظهر مفهوم الثقافة لمميز السلوك الإنساني عن الحيواني.
  • إن الثقافات تختلف باختلاف الجماعات البشرية، وسبب ذلك يعزا بالأساس إلى أن الإنسان يكتسب مجموعة من السلوكات عن طريق التعلم.

المستوى الحجاجي:

لقد وظف صاحب النص جملة من الأساليب الحجاجية بغرض الدفاع عن أطروحته نذكر من بينها:

أ – أسلوب المقارنة: “فعلى حين تتميز غالبية الحيوانات… فإن الإنسان يختلف عن ذلك…” ==> وظيفته: يقارن لنا فيه بين السلوك الإنساني الذي يتسم بالتنوع والسلوك الحيواني الذي يكرر بشكل مستمر نفس العمليات ولا يطورها.

ب – أسلوب المثال: يذكر لنا صاحب النص مجموعة من الأمثلة على التنوع الثقافي: “نجد جماعات الإسكيمو…” “الشعوب الهندية المكسيكية …”، “شعب الباجندا..” ==> وظيفته: لقد وظفه صاحب النص للدلالة على التنوع الكبير الذي يشهده السلوك الإنساني من شعب إلى آخر على الرغم من كون جميع الناس يصدرون عن طبيعة واحدة، إذ ليس هناك اختلاف فيزيولوجي كبير بين الجماعات البشرية.

ج – أسلوب التأكيد: “إن قائمة الفروق في السلوك الإنساني طويلة” ==> وظيفته: يؤكد لنا من خلاله على الفروق التي تتسم السلوكات البشرية من شعب إلى آخر.

د – أسلوب السؤال: ” فما هي الأسباب التي ترجع إليها تلك الفروق إذن؟” ==> وظيفته: يستفسر من خلاله على السبب الحقيقي الذي يكمن خلف التنوع الثقافي.

و – أسلوب الاستنتاج: “فمفهوم الثقافة، يدل إذن، على أساليب السلوك…” ==> وظيفته: يستنتج فيه سبب تنوع السلوك البشري الذي يتمثل في كونه يكتسب عن طريق التعلم.

استنتاج:

من مميزات الإنسان رغم انتمائه بيولوجيا إلى عالم الطبيعة والحيوان، أنه يتميز بمجموعة من السلوكات المتمثلة في العادات والتقاليد والأعراف المتنوعة والمتعددة والتي اكتسبها إما بتجربته الشخصية الخاصة أو عن طريق تقليد الآخرين الموجودين في نفس المحيط، أو عن طريق التعلم والتلقين، وهذا ما يجعل الإنسان كائنا ثقافيا بامتياز، عكس الحيوان الذي يظل سلوكه ثابتا ومتشابها، ومختصر القول يعتبر صاحب النص أن مفهوم الثقافة يدل على أساليب السلوك التي تتصف بأنها تكتسب أو تنتقل وتنتقد إلى الأفراد عبر التعلم والتقليد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

16 تعليقات
  1. Khaoula كتب:

    شكرا

  2. Khaoula كتب:

    شكرا

    1. Othmane كتب:

      سبحان الله

  3. Youssfe كتب:

    mrccccccccccc

  4. Youssfe كتب:

    mrccccccccccc bcp <3

  5. حمزة أبراج كتب:

    شكرا

  6. Badr imrane كتب:

    شكرا جزيلا

  7. jamila كتب:

    xokran

    1. mohammed كتب:

      cv 3lik

  8. Ilyass كتب:

    شكرا

  9. وسيمة كتب:

    شكرا كتيرا على هده المجهودات

  10. محمد كتب:

    شكرا على هذا المجهود

  11. ةن مد ةت كتب:

    شكرا

  12. mohammed كتب:

    chokran

  13. Safae كتب:

    Thanks you so much i like this page

  14. maroua كتب:

    thank you so much for this information