محطات من تاريخ تطور الفلسفة – جذع مشترك

الإشكال المحوري:

  • هل تعد الفلسفة اليونانية هي الشكل الواحد الأوحد الذي عرفه تاريخ الفكر الفلسفي الإنساني، أم هناك أشكال فلسفية أخرى؟ أليس للحضارة الإسلامية والحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة إنتاجات فلسفية مثلت محطات أساسية في تطور الفكر الفلسفي؟

تقديم:

أشرنا في المحور السابق إلى صعوبة تحديد تعريف عام للفلسفة، وذلك لأنه لا وجود لفلسفة واحدة، بل هناك عدة فلسفات متعددة بتعدد فلاسفتها، وهذا يعني أننا لا ندرس الفلسفة كما ندرس أي علم من العلوم، بل إنما ندرس فلسفات الفلاسفة، أي أفكار ونظريات رجال عاشوا عبر التاريخ، بمعنى أننا لا ندرس الفلسفة بل تاريخها، والواقع أن الفلسفة وتاريخ الفلسفة جانبان مرتبطان من الصعب الفصل بينهما، إن دراسة أفكار أي فيلسوف ما، كثيرا ما تضطرنا إلى الرجوع إلى أفكار فلاسفة آخرين سبقوه أو عاصروه، بمعنى أن دراسة الفلسفة لا تعني في الحقيقة أكثر من دراسة تاريخها.

  • فما هي المحطات الأساسية في تاريخ تطور الفلسفة؟

المحور الأول: محطات من تاريخ تطور الفلسفة:

إن تاريخ الفكر الإنساني هو تاريخ تطور هذا الفكر، والفلسفة باعتبارها شكلا من أشكال الفكر الإنساني عرفت هي الأخرى تطورا، بل تطورات خلال تاريخها، وخلال هذه التطورات كانت الفلسفة تعكس اهتمامات وانشغالات البيئات التي ظهرت داخلها، لذلك جاءت أفكار وتصورات ومفاهيم الفلاسفة متمايزة ومختلفة، وذلك لأن كل فلسفة هي إجابة على أسئلة عصرها، فالفلسفة اليونانية في بدايتها كانت في مواجهة التساؤل الأنطولوجي (المتعلق بالبحث في الوجود)، وهذا راجع لكون اليونانيين كانوا منشغلين بالبحث في الطبيعة وإيجاد أسبابها وعللها.

إن الفلسفة لم تعرف مسارا أو اتجاها واحدا، ولكنها عرفت مسارات واتجاهات متباينة، فكان تاريخها هو تاريخ التعدد والتنوع والاختلاف، وهذا المظهر لا يظهر بين فلسفة وأخرى، بل يظهر داخل الفلسفة الواحدة، وإذا كنا قد أبرزنا أن الفلسفة تاريخا، فما هي المحطات أو اللحظات الكبرى لهذا التاريخ؟

يمكن وبإيجاز أن نقدم هذه الخطاطة التي تعكس التطور العام للفلسفة عبر التاريخ، وهي على النحو التالي:

أ – المرحلة القديمة: ==> نشأت الفلسفة اليونانية في القرن 6 ق.م.

ب – مرحلة العصور الوسطى: ==> انتقال الفلسفة إلى أوروبا والعالم الإسلامي من القرن 5 إلى 15م.

ج – المرحلة الحديثة: ==> ارتباط الفلسفة الأوروبية بالعلم في القرن 17م.

د – المرحلة المعاصرة: ==> ابتدأت من الفرن 19 إلى يومنا هذا.

انطلاقا من هذه الخطاطة، يمكن القول أن الفلسفة شهدت محطات أو لحظات كبرى خلال تطورها، ولم يكن الانتقال من لحظة لأخرى مجرد انتقال في الزمان والمكان، ولكنه انتقال في فضاء الفكر واللغة، فما هي طبيعة هذه المسارات التي قطعتها الفلسفة؟

ترافق تطور العلوم عند العرب والمسلمين ابتداء من القرن الثاني الهجري مع ظهور اهتمام بالفلسفات الشرقية واليونانية، وللعمل على ترجمتها ما أدى إلى تشكيل حركة فلسفية قادها عدد من المفكرين المسلمين من العرب وغير العرب وأهمهم ابن رشد الذي دافع عن ضرورة دراسة الفلسفة وتعلمها، لان الشرع يدعو إلى التعبير والتأمل في الموجودات لأنها تدل على وجود الصانع، وبما أن الفلسفة ليست شيئا أكثر من النظر في الموجودات للوصول إلى وجود الصانع، فان الفلسفة إذن لا تعارض الدين، بل تدعمه وتؤيده، وهذا هو رد ابن رشد على الغزالي الذي كفر الفلاسفة، ودعا إلى تحريم الفلسفة باعتبارها تخالف الشريعة، وهناك عدة فلاسفة مسلمين من أهمهم: الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن طفيل، ابن باجة وغيرهم، هذا فيما يخص الفلسفة الإسلامية، أما الفلسفة الغربية فقد انقسم تاريخها إلى أربعة مراحل: القديمة والوسطى والحديثة والمعاصرة، وتمتد مرحلة الفلسفة القديمة من القرن السابع عشرة ق.م إلى القرن الخامس الميلادي، وتمتد مرحلة الفلسفة الوسطى من القرن الخامس إلى القرن السابع عشر، أما الفلسفة الحديثة فتمتد حتى القرن التاسع عشر، أما الفلسفة المعاصرة فتمتد من القرن العشرين إلى العصر الحالي.

الفلسفة القديمة:

كانت في معظمها يونانية، وأعظم الفلاسفة من العهد القديم كانوا ثلاثة من اليونانيين في القرن الخامس والرابع قبل الميلاد وهم: “سقراط” و”أفلاطون” و”أرسطو”، حيث أثرت فلسفتهم في الثقافة الغربية المتأخرة، أما فلسفة القرون الوسطى تميزت بالتطور بكيفية جعلتها جزءا من اللاهوت النصراني، وهكذا لم يبق للفلسفة اليونانية والرومانية من آثار سوى ما تركته من أثر على الفكر الديني، ويعد القديس أوغسطين أشهر فلاسفة العصور الوسطى، كما انه في هذا العصر سادت منظومة فكرية تسمى بالمدرسية بين القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر، والمدرسية تشير إلى منهج فلسفي للاستقصاء، استعمله أساتذة الفلسفة واللاهوت في الجامعات الأولى التي ظهرت في أوربا الغربية، ولقد نشأت هذه المدرسة نتيجة لترجمة أعمال أرسطو إلى اللاتينية التي هي لغة الكنيسة النصرانية في العصر الوسيط، فهذه الأعمال حثت المفكرين آنذاك على التوفيق بين أفكار أرسطو الرئيسية والتوراة والعقيدة النصرانية، إن أشهر المدرسين هو القديس توما الاكويني، حيث اجتمع في فلسفته فكر أرسطو والفكر اللاهوتي حتى أنها أصبحت هي الفلسفة الرسمية الرومانية الكاثوليكية.

أما الفلسفة الحديثة، فهي نتيجة لحركة ثقافية كبرى تسمى النهضة، أعقبت نهاية العصور الوسطى وشكلت فترة انتقالية بين فلسفة القرون الوسطى، والفلسفة الحديثة، حيث نشأت النهضة في إيطاليا نجمت عن إعادة اكتشاف الثقافة اليونانية والرومانية، وأيضا للتقدم الكبير خاصة في مجال الفلك والفيزياء والرياضيات، وأيضا لظهور النزعة الإنسية التي أعادت الاعتبار إلى الإنسان ومجدته، ويعد فرانسيس بيكون الإنجليزي من أوائل الفلاسفة المؤيدين للمنهج التجريبي العلمي وإلى جانبه رينيه ديكارت الفرنسي مؤسس الفلسفة الحديثة في ق17، خاصة في كتابه الشهير “مقال في المنهج” الذي عرض فيه رؤية جديدة في التفكير تقوم على النقد ومراجعة المعارف المكتسبة، وضرورة تأسيس طريقة جديدة تقوم على قواعد محددة لتوجيه العقل (الشك، تقسيم المشكلة إلى أجزاء، ترتيب الأفكار، مراجعة عامة للنتائج)، كما أنه أولى أهمية كبرى للأنا المفكر أي الوعي بالذات، وقد تجلى ذلك في قولته الشهيرة “أنا أفكر، أنا موجود” وإلى جانب ديكارت هناك فلاسفة آخرين (سبينوزا، لايبنيز، جون لوك،دافيد هيوم، إيمانول كانط، هيجل، ماركس، نيتشه) كل هؤلاء الفلاسفة ساهموا في تطوير الفلسفة الحديثة القائمة على العقلانية والتجريبية والجدلية …

أما الفلسفة المعاصرة أو فلسفة القرن العشرين، فقد شهدت انتشار خمس حركات رئيسية، اثنان منها: الوجودية والظواهرية كان لهما تأثير كبير في بلدان أوربا الغربية، أما الحركات الثلاث الأخرى: الذرائعية البرجماتية (المنفعية) والوضعية المنطقية، والبنيوية التفكيكية فقد مارست تأثيرها خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وفي منتصف القرن العشرين أصبح تأثير الوجودية ملحوظا، وذلك أن الحرب العالمية الثانية (1939-1945) ولدت شعورا عاما باليأس والقطيعة من الوضع القائم، هذا الشعور قد أفضى إلى الاعتقاد بأن الناس عليهم أن ينشئوا القيم التي تليق بهم في عالم أصبحت القيم القديمة فيه عديمة الجدوى، كما أن الوجودية تلح على القول: إن الأفراد يجب عليهم أن يحددوا اختياراتهم وبذلك يعبرون عن شخصيتهم المتميزة، لأنه لا توجد أنماط موضوعية تفرض على الفرد فرضا، ويعتبر الكاتب الفرنسي جان بول سارتر أشهر الفلاسفة الوجوديين، أما الفلسفة الظاهرية فقد أنشأها الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل، الذي تصور أن مهمة الظاهرية وبالتالي مهمة الفلسفة تتمثل في وصف الظاهرة، أي موضوعات التجربة الشعورية بصفة دقيقة وبكيفية مستقلة عن كل الافتراضات المشتقة من العلم، ويعتقد هوسرل أن هذا العمل من شأنه أن يؤدي إلى إدراك الواقع إدراكا فلسفيا، أما الفلسفة النفعية البرجماتية والتي يمثلها الأمريكيان وليم جيمس وجون ديوي، فتؤكد أن المعرفة خاضعة للعمل، وذلك أن اشتمال الأفكار على المعاني والحقائق متعلق بمدى ارتباطها بالتطبيق، أما الفلسفة الوضعية المنطقية فقد نشأت في ﭬيينا بالنمسا في العشرينات من القرن العشرين فتقول: إن الفلسفة ينبغي أن تحلل منطق لغة العلم، وهي تعتبر العلم المصدر الوحيد للمعرفة وتدعي بأن ما وراء الطبيعة لا فائدة منه، اعتمادا على مبدأ إمكانية التحقق، أي أن القول لا يكون له معنى إلا إذا ثبت بالتجربة الحسية أنه مطابق للحقيقة، ويعد البريطاني ألفرد جون أير من أكبر فلاسفة المذهب الوضعي المنطقي، والمشكلات الفلسفية التقليدية تنحل تلقائيا أي أنها تزول بمجرد تحليل للعبارات التي صيغت، أما الفلسفة البنيوية التفكيكية فقد حاولت أن توجد الحلول للمشكلات الفلسفية عن طريق تحليل مفردات اللغة ومفاهيمها كما حاولت بعض اتجاهات هذه الفلسفة أن تبرهن على أن بعض المشكلات الفلسفية التقليدية تنحل تلقائيا بمجرد تحليل العبارات التي صيغت بها، ومن أشهر الفلاسفة الذين مارسوا التفكيك والتحليل الفلسفي هناك برتر اندراسل، ولود فيتجنشتاين.

المحور الثاني: محطات في تطور الفلسفة:

مدخل:

إن للفلسفة قصة طويلة بدأت مع اليونان في القرن 6 ق م، ولازالت مستمرة إلى الآن، وطيلة تاريخها الطويل عرفت الفلسفة تحولات فكرية تجلت في ظهور عدة فلاسفة، وعدة مذاهب واتجاهات فلسفية، وقد كان التفكير الفلسفي دائما مرتبطا بقضايا عصره ويعكس الهموم والقضايا التي عرفها ذلك العصر، هكذا، وبعد ظهور الفلسفة عند اليونان، سيعمل الفلاسفة في الإسلام على ترجمة الكتب الفلسفية عن اليونانية/ ويقومون بشرحها والاستفادة منها في معالجة قضايا تتعلق بالمجتمع الإسلامي، غير أن الفلسفة سوف لن تستمر في بلاد الإسلام بل ستعود إلى أوروبا خلال العصر الحديث الذي سيعرف ظهور فلاسفة سيغيرون مسار التاريخ الفلسفي، وسيساهمون في التطور الذي عرفته الحضارة الأوروبية، ثم ستتطور الفلسفة في ما بعد وستهتم بقضايا جديدة، من أهمها التفكير في قضايا المعرفة العلمية.

  • فما الذي يميز تاريخ الفلسفة؟
  • وما هي الخصائص التي ميزت مختلف محطاته الكبرى؟
  • ومن هم أبرز فلاسفة كل محطة؟

إشكالية الفلسفة والدين، نص ابن رشد:

مؤلف النص:

هو الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد (1126 – 1198م)، من كبار فلاسفة الإسلام، ومن أعظم شراح فلسفة أرسطو، وقد وجد في هذه الفلسفة إمكانية تأسيس فلسفة عقلانية قادته إلى الفصل بين الدين والفلسفة على مستوى المنهج دون أن يضاد أحدهما الآخر على مستوى الغاية، من أهم مؤلفاته (تهافت التفاهت)، و(فصل المقال).

فهم النص:

  • يبدأ النص بتعريف فعل التفلسف، ويتجلى في اعتبار الفلسفة بحث في الموجودات لدلالتها على الصانع.
  • يدعو الشرع حسب النص إلى التأمل في الموجودات باعتبار دلالتها على الصانع.
  • تعني عبارة “الحق لا يضاد الحق” أن الحقيقة التي يتوصل إليها عن طريق النظر العقلي الفلسفي لا تخالف الحقيقة الدينية التي يعتبر الوحي مصدرها الأساسي.

موضوع النص:

يتناول هذا النص موضوع العلاقة بين الدين والفلسفة أو بين الحكمة والشريعة، كما أن هذا النص يتناول في نفس الوقت موقف الدين من الفلسفة.

إشكال النص:

يطرح هذا النص إشكالا فلسفيا متعلقا بمسألة العلاقة الموجودة بين الدين والفلسفة، وكذا مسألة رأي الدين في الفلسفة، وهما مسألتان يمكن التعبير عنهما بالتساؤلات الآتية:

  • أية علاقة بين الفلسفة والدين، هل هي علاقة انفصال وقطيعة، أم هي علاقة ترابط واتصال؟
  • ما هو موقف الدين من الفلسفة؟
  • هل الدين يحرم فعل الفلسفة؟ أم هل الدين يدعو إلى التفلسف ويأمر به؟

الإطار المفاهيمي:

يستعمل ابن رشد في هذا النص مفردات خاصة تنتمي إلى معجمين رئيسين للتأكيد على أن الشرع يدعو إلى النظر في الموجودات، والمعجمين هما:

أ – المعجم الديني الشرعي: الشرع – الواجب – المندوب – القياس الشرعي – الاعتبار.

ب – المعجم الفلسفي: النظر – الموجودات – الاستنباط.

القياس العقلي:

كل إنسان فان ← مقدمة كبرى.

سقراط إنسان ← مقدمة صغرى.

سقراط فان ← النتيجة.

← النتيجة في القياس العقلي تكون متضمنة في المقدمتين.

 

المعجم الشرعي المعجم الفلسفي
الشرع – الآية القرآنية – الواجب – المندوب – الاعتبار – القياس الشرعي – الحق. الصانع – النظر – المعرفة – الموجودات – القياس العقلي – فعل الفلسفة.

 

التدبر هو التفكير العقلي الذي يستهدف معرفة الحقيقة وأخذ العبرة، وهو من شأنه أن يؤدي إلى إثبات صحة الأحكام الشرعية وأهميتها في حياة الإنسان، لذلك فالعلاقة بينهما هي علاقة توافق وانسجام، والأدوات التي يستعملها الفيلسوف للوصول إلى الصانع هي: النظر – الموجودات – القياس العقلي.

الإطار الحجاجي:

وظف النص طريقة حجاجية اعتمدت على نصوص مستمدة من الحقل الديني، وهي قوله تعالى: “فاعتبروا أولى الأبصار”، وقوله تعالى: “أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء”، ووظيفتها الحجاجية هي تدعيم رأي ابن رشد القائل بضرورة الفلسفة ووجوبها شرعا.

 

الأفعال المنطقية دلالاتها الفلسفية
إن كان ….. فإن……. إذا كانت الفلسفة نظر في الموجودات لمعرفة صانعها، فإن المعرفة الدقيقة بالصانع تكون من خلال معرفة صنعته
فأما أن الشرع … فذلك بين في غيرما آية. إثبات ابن رشد أن الشرع يدعو إلى النظر العقلي في الموجودات لأخذ العبرة

 

هكذا اعتمد ابن رشد على أسلوب الاستدلال، حيث انتقل من قضية عامة وهي تعريف فعل الفلسفة، ثم قام بتحليل عناصرها الجزئية منتهيا باستنتاج منطقي يمكن التعبير عنه بالشكل التالي: “الفلسفة نظر في الموجودات لدلالتها على الصانع”، الشرع يدعو إلى النظر في الموجودات لدلالتها على الصانع، إذن الشرع يدعو إلى الفلسفة.

تعليق حول النص:

إن هذا النص يمثل مرافعة نقدية أراد من خلالها ابن رشد الدفاع عن الفلسفة وإثبات مشروعيتها، وابن رشد في هذا إنما أراد أن يرد الاعتبار للفلسفة أي إلى العقل، وهذا ليس بشيء غريب عند فيلسوف تزود من معين الفلسفة اليونانية خاصة في ملامحها العقلانية مع بعض الفلاسفة أمثال: أرسطو.

الفلسفة في العصور الحديثة: الفلسفة والمنهج:

تقديم:

غالبا ما يربط مؤرخو الفلسفة بداية الفلسفة الحديثة بديكارت، وهكذا يلقبونه أب الفلسفة الحديثة.

  • فما هي الخصائص العامة التي تميز هذه الفلسفة؟

تعتبر الفلسفة الحديثة فترة تأسيس لعهد جديد، وإحداث قطيعة مع الماضي من خلال ظهور جهاز مفاهيمي جديد، وكذا تحول على المستوى الإشكالي، هكذا فقد تم إعطاء الأسبقية في الفلسفة الحديثة لمبحث المعرفة على مبحث الوجود الذي كانت له الأولوية في العصور السابقة، والإشكال الرئيسية في الفلسفة الحديثة هو إشكال معرفي، يتمثل في التساؤل عن إمكانية وحدود المعرفة العقلية، وقد تميزت الفلسفة الحديثة بسيادة نزعة الأنسنة التي أعادت الاعتبار للعقل البشري وآمنت بقدرته على فهم العالم والسيطرة على الطبيعة.

تحليل نص ديكارت، ص 28:

مؤلف النص:

هو الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت (1596 – 1650)، يعتبر من كبار فلاسفة القرن 17، ويلقب بأب الفلسفة الحديثة، كما يعتبر زعيم النزعة العقلانية في العصر الحديث، كما أنه عالم رياضي ويعتبر من مؤسسي الرياضيات الحديثة. من أهم مؤلفاته: ”تأملات ميتافيزيقية”، وكتاب “قواعد في المنهج”، درس ديكارت مجموعة من العلوم في حداثة سنه، من بينها الفلسفة والرياضيات، وعندما اختبر هذه العلوم استبعد المنطق، لأن هذا العلم لا ينفع في تعلم الأشياء.

سؤال النص:

يطرح هذا النص سؤالا ضمنيا هو:

  • ما هي الطريقة الصحيحة للوصول إلى معرفة جميع الأشياء؟

إن ديكارت من خلال هذا السؤال يطرح مشكلة ذات طبيعة منهجية، فالسؤال هنا سؤال يتعلق بالمنهج، أي بالطريقة التي تؤمن عملية المعرفة وتصون وتحمي الذات من الوقوع في الأخطاء.

رأي صاحب النص:

انطلق ديكارت من الإقرار بضرورة اتخاذ الحيطة والحذر وعدم التسرع في إصدار الأحكام التي لم تستمد من العقل، ولقد اعتبر ديكارت على أن الوصول إلى معرفة جميع الأشياء يتطلب امتلاك طريقة أو منهج، ولقد انتهى ديكارت من خلال دراسته لعدد من العلوم والفلسفة إلى استنباط أربعة قواعد منطقية لحسن استخدام العقل وهي:

أ‌ – قاعدة البداهة أو الشك: وهي تعني أنه لا يجب علي أن أقبل من الأفكار إلا ما يبدو بديهيا، واضحا ومتميزا في الذهن، وأن أشك في كل الأحكام والأفكار غير البديهية.

ب ‌- قاعدة التحليل أو التقسيم: وهي تعني أنه يجب علي أن أقسم المسألة إلى أبسط عناصرها، وأن أحل كل عنصر لوحده حتى يسهل علي حل المسألة ككل.

ج – قاعدة التركيب أو النظام: وهي تعني أنه يجب البدء بأبسط العناصر إلى أصعبها وبشكل مرتب لحل المسألة على أحسن وجه.

د – قاعدة المراجعة أو الإحصاء: وهي تعني أنه يجب القيام بمراجعات وإحصاءات شاملة لكي أتأكد من أنني لم أغفل أي شيء.

لقد كان هم ديكارت هو البحث عن منهج أو طريقة للوصول إلى الحقيقة، فاستلهم الرياضيات ووضع أربع قواعد لحسن استخدام العقل، ولقد شك ديكارت في كل شيء، لكنه لم يستطع أن يشك في أنه يشك، وما دام الشك هو عملية عقلية، فهو إذا نوع من التفكير، لذلك قال ديكارت “أنا أشك إذا أنا أفكر، وإذا كنت أفكر فأنا موجود”.

الإطار المفاهيمي للنص:

الألفاظ التي تدل على تأسيس منهج أو طريقة جديدة في التفلسف هي: الحيطة – العقل – المنطق – البحث – البداهة – القاعدة – التدرج – المراجعة – الوضوح والتميز، والمنهج هو الطريقة التي تسلكها الذات العارفة للوصول إلى موضوع المعرفة اعتمادا على قواعد عقلية.

الإطار الحجاجي:

يبدأ النص بلفظ ”مثل” التي تدل على تصوير حسي لفكرة مجردة، النظام المنطقي الذي يحكم بناء القواعد الأربعة التي وضعها ديكارت هو نظام يتميز بالتدرج والانتقال من البسيط إلى المركب، ويتبين في القاعدة الثالثة التي هي قاعدة النظام أو التركيب والتي تقول أنه يجب البدء بأبسط العناصر إلى أصعبها، أي أن يتميز فكرنا بالترتيب والنظام والتدرج، هكذا اعتمد ديكارت على أسلوب التمثيل من أجل توضيح فكرته عن المنهج وتصويرها حسيا، فقد تخيل ديكارت أنه يشبه رجلا يسير في الظلام، لذلك ولكي لا يسقط كان لزاما عليه اتخاذ الحيطة والحذر المتمثل في الشك في كل الأفكار غير البديهية والواضحة، وهذا الشك هو شك منهجي، الغرض منه هو الوصول إلى الحقيقة، ومن أجل الوصول إليها لابد أن يعتمد العقل على قواعد تجنبه السقوط في الخطأ وتجعله يفكر بكيفية سليمة، وقد اختصر ديكارت هذه القواعد في: قاعدة البداهة، قاعدة التقسيم، قاعدة النظام وقاعدة المراجعة.

تعليق حول النص:

يعكس هذا النص اهتماما من بين الاهتمامات التي انشغل بها ديكارت والمتعلقة بمسألة المنهج/ حيث أنه اعتبر أن الوصول إلى الحقيقة لا يمكن أن يتم إلا إذا تسلح العقل بمنهج يعصمه من الوقوع في الأخطاء.

الفلسفة الغربية المعاصرة: الفلسفة والعلم:

تقديم:

غالبا ما يربط مؤرخو الفلسفة بداية الفلسفة المعاصرة ببداية المنتصف الثاني من القرن 19م، ومن أهم الأحداث التي عرفتها الفلسفة المعاصرة هناك حدثان بارزان: يتمثل الأول في الثورة العلمية في مجال العلوم الدقيقة كالرياضيات والفيزياء والبيولوجيا، أما الحدث الثاني يتمثل في ظهور ما يسمى بالعلوم الإنسانية كعلم النفس وعلم الاجتماع والأنتربولوجيا، وقد استفادت الفلسفة المعاصرة من هذين الحدثين فاتجه اهتمامها أولا إلى دراسة ونقد المعرفة العملية في إطار ما يسمى بالدراسات الأبستمولوجيا (فلسفة العلم)، واتجه اهتمامها ثانيا إلى دراسة الإنسان والاهتمام بقضاياه الأساسية كمسألة الإدراك والوعي وعلاقتها بالعالم، وكذلك البحث عن معنى الوجود الإنساني، ومعالجة قضايا الإنسان السياسية والاجتماعية، كما يمكن أن نشير أيضا إلى اهتمام كثير من الفلاسفة المعاصرين بنقد المفاهيم الفلسفية الكلاسيكية في محاولة منهم لتجاوز الفلسفة الميتافيزيقية وإعادة الاعتبار للجوانب المهمشة واللامفكر فيها.

تحليل نص لبرتراندر راس «Russel»:

مؤلف النص:

هو برتراند راسل (1872 – 1970 ) فيلسوف وعالم رياضي انجليزي اهتم بالدراسات المنطقية والإبستمولوجية، كما اهتم بقضايا ومشكلات الفلسفة، من مؤلفاته: “مبادئ الرياضيات” و”مشكلات الفلسفة”.

سؤال النص:

يطرح هذا النص سؤالا يتعلق بمهمة الفلاسفة ووظيفة الفلسفة، ويمكن أن نصغ هذا السؤال كالآتي:

  • ما هي الوظيفة التي تقوم بها الفلسفة؟

رأي صاحب النص:

أبرز “راسل” أن مجال العلم يختلف عن مجال الفلسفة، فالعلم يهتم بدراسة الأشياء والظواهر مثل: الآلات والإنسان والكواكب، أما الفلسفة فهي تهتم بالتأمل والاستطلاع والاستكشاف، إنها عبارة عن مغامرة فكرية، يرى صاحب النص أيضا على أن خطاب الفلسفة يبدأ عندما يغادر الإنسان نطاق العلم، وفي نفس الوقت يبين على أن هناك علاقة بين الفلسفة والعلم، غير أن العلم عندما يتأسس على قوة متينة، فإنه يستقل عن الفلسفة ويصبح قائما بذاته، ويبدو من خلال هذا النص أن الفلسفة المعاصرة من بين ما اهتمت به موضوع العلاقة بين العلم والفلسفة، وعلى الرغم من الاختلاف الموجود بينهما، فإنهما في حاجة إلى بعضهما البعض، كما أن الإنسان في حاجة ماسة إليهما معا.

فهم النص، ص 31:

  • تصبح معرفة ما علما عندما تصبح مرتكزة على أسس متينة.
  • من بين الأعمال التي يقوم بها الفيلسوف هو التفكير في مناهج العلوم، والتأمل الشمولي في القضايا المصيرية للإنسان.
  • يبدأ التفكير الفلسفي التأملي حين يصل المرء إلى مناطق الحدود ويتجاوزها وتعتبر مناطق مجهولة بالنسبة إليه.
  • الفلسفة مغامرة فكرية يستهدف من خلالها الفيلسوف البحث عن الحقيقة لذاتها وليس لأي غرض آخر.
  • من أهم القضايا التي اهتمت بها الفلسفة المعاصرة هي قضية العلاقة بين الفلسفة والعلم ورسم الحدود الفاصلة بينهما، فالعلم يهتم بالحاجات المباشرة والحيوية والمادية والتقنية بينما تهتم الفلسفة بالقضايا الأخلاقية والروحية والمصيرية للإنسان.

الإطار المفاهيمي للنص:

يكون العلم علما عندما يرتكز على أسس متينة، والمقصود بالأسس المتينة هي احتواء العلم على موضوع معزول ومحدد من جهة، واحتوائه على مفاهيم ومناهج تجريبية من جهة أخرىـ والفلسفة هي التفكير في مناطق مجهولة توجد خارج أرض العلم، ويمكن تقديم مثالين على ذلك:

  • الفلسفة دراسة نقدية للمناهج العلمية.
  • الفلسفة تفكير تأملي في مسار العلم وغايته.

الفلسفة مغامرة استكشافية تأملية تقوم بوظيفتين رئيسيتين:

أ – وظيفة أنطولوجية: استكشافية تتوجه إلى آفاق العلم ومقاصده بالنسبة للإنسان.

ب – وظيفة إبستمولوجية: نقدية تتوجه إلى مسائل وقضايا منهجية في العلم.

استنتاجات:

إن النماذج الفلسفية التي استقيناها من تاريخ الفلسفة (طاليس، ابن رشد، ديكارت، برتراند راسل) تجسد اللحظات التاريخية المختلفة التي شهدها الفكر الفلسفي، لقد توصلنا إلى أن كل لحظة من تلك اللحظات عالجت وبطرق خاصة إشكالا فلسفيا محددا وبلورت مفاهيم فلسفية خاصة، فبالنسبة للفلسفة الإسلامية في العصر الوسيط رأينا كيف أن ابن رشد كان في مواجهة إشكالية محددة هي إشكالية العلاقة بين الدين والفلسفة، حيث انتهى ابن رشد إلى التأكيد إلى أن لا خلاف بين الدين والفلسفة، وأن العلاقة بينهما هي علاقة اتصال وانسجام وتوافق، وخلال الحقبة الحديثة من تاريخ أوروبا ظهر ديكارت الذي اعتبر أعظم فلاسفة عصره، وقد عالج ديكارت قضايا فلسفية ميتافيزيقية (الله، العالم، النفس، الإنسان…)، كما أنه عالج قضايا منهجية تتعلق بالبحث عن المنهج السليم المؤدي إلى الحقيقة، من هنا رفع ديكارت شعار الشك باعتباره منهاجا سديدا يؤدي إلى اليقين، وفي المرحلة المعاصرة من تاريخ الفلسفة توقفنا عند أحد الفلاسفة الغربيين وهو برتروند راسل الذي طرح قضية العلاقة بين الفلسفة والعلم، مبينا أن الفلسفة تهتم بالبحث في مناطق المجهول، إنها استطلاع أو هي مغامرة استكشافية مطلوبة لذاتها، أما العلم فهو معرفة مرتبطة بالأهداف العملية ذات صلة بالحياة الإنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 تعليقات

  1. خليل كتب:

    موضوع جيد لو اضف تم التركيب النهائي لمحتوى محطات من تاريخ تطور الفلسفة كان أفضل لأن كتير ن التلاميذ طولبوا بالجواب عن أسئلة تتعلق بهذا التركيب والذي يتواجد في الكتاب المدرسي ” في رحاب الفلسفة”صفحة37 الجذع المشترك وشكرا مرة اخرى

  2. rida el amari كتب:

    boone